حيدر حب الله

263

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

إلا أنّ الاستدلال بهذه الرواية يواجه جملة مشاكل ، أبرزها : أولًا : قد يقال - كما احتمله الشيخ الأنصاري - بأنّ الأمر بإحراق الكتب لم يكن بنحو الحكم الإلهي المولوي بقدر ما كان إرشاداً لمعالجة المشكلة التي يواجهه عبد الملك بن أعين نفسه الذي وصف نفسه بأنه قد ابتلى بهذا العلم ؛ فالأمر بالإحراق هدفه تخليصه من هذا الابتلاء والمرض بشكل تامّ لا غير ، لا أنّه حكم شرعي قائم بنفسه مطلقاً في هذا المجال « 1 » . وهذا الفهم للرواية ليس بالبعيد ، غايته أنّ تساؤلًا يبقى هنا ، وهو لماذا أمره الإمام بإتلاف كتبه ، وفي ذلك إتلافٌ لماله ، مع أنّه كان بالإمكان أن يأمره ببيعها ولو لمن يثق بأنها لا تضرّه ، فالعدول عن حالة حفظ المال إلى حالة إتلافه ، يشي بأنّ القضية ليست لمجرّد تخليصه من المشكلة ، إذ ذلك يتحقّق ببيع الكتب ، فلو لم يكن في أصل وجودها مشكلة لما أمره بالإتلاف . فهذا المقدار لوحده غير كافٍ في ترجيح افتراض الإرشاديّة ، ما لم نقل بأنّ أمره بالإحراق نوعٌ من البعد التربوي والنفسي المساعد على الإحساس الذاتي بالخلاص وقطع الارتباط وإحساس التطهّر من هذه الكتب ، كما ليس بالبعيد . ثانياً : ما ذكره الشيخ الأنصاري أيضاً ، من أنّ في الرواية استفصالًا ، بين حالة القضاء على أساس هذه الكتب وعدمها ، فإنّه لما سأله الإمام عن أنّه يقضي أو لا ، فأجابه بالإيجاب ، حكم بإحراق الكتب . وهذا معناه أنّ الحكم بالإحراق ليس دائميّاً ، فعلى تقدير عدم القضاء كان الاحتفاظ بهذه الكتب جائزاً ، فلا تُثبت الرواية

--> ( 1 ) الأنصاري ، المكاسب 1 : 234 ؛ وانظر : مصطفى الخميني ، مستند تحرير الوسيلة 1 : 412 ؛ ومرتضى مطهري ، مجموعه آثار 30 : 571 .